مقدمة تمهيدية للورقة

وافق الملك سلمان بن عبد العزيز في مطلع عام 2016 على خطة التحول الجديدة للبلاد، رؤية 2030، حيث إنها أفضل السبل لتنشيط حيوية المجتمع السعودي، وتقليل اعتماد المملكة على النفط، وتنويع الاقتصاد الوطني. وهذا ليس بهدفٍ جديد، فمنذ السبعينات الميلادية، كانت العلاقة الطردية بين النمو الاقتصادي والإنفاق الحكومي تكاد تكون تامّة، باستثناء الفترة التي ما بين عامي 1990 و2000، حيث هبط معدل الارتباط إلى ما دون الصفر مع تباين النمو الاقتصادي عن الإنفاق الحكومي. (انظر الشكل 1). وتأكيدا على هذه العلاقة، فبعد عامٍ من هبوط أسعار النفط عام 2014، اُتخذت إجراءاتٌ متعددة على الميزانية العامة للدولة دخل الاقتصاد على إثرها في حالة ركود في وقتٍ باكرٍ من عام 2017. حيث تم خفض الميزانية العامة عام 2016 إلى 840 مليار ريال سعودي (224 مليار دولار أمريكي)، وهذا يمثّل انخفاضًا بمقدار 32 % من الإنفاق الفعلي عام 2014. ونتيجةً لهذا الخفض، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد بنسبة 0.86 ٪ في عام 2017م، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعامين 2016 و2017، على التوالي، من 2.587.758 إلى 2.565.591 مليون ريال سعودي (684.158 مليون دولار أمريكي).[1]

الشكل 1: معدل الارتباط المتحرك لكل عشر سنوات من 1970 إلى 2014
المصدر: بلومبيرغ

الجدير بالإشارة هو أن هدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط لم يكن جديداً، لا سيما بالنسبة للبيروقراطيين السعوديين؛ لأنه كان جزءًا لا يتجزأ من الخطط الخمسية المتعاقبة للبلاد في الأعوام التي سبقت رؤية 2030. فلماذا فشل البيروقراطيون السعوديون في تحقيق هذا الهدف؟ ما الذي سبب هذا الخلل – أو هل كانت الأسباب الحقيقية لذلك هو الخطط المعتمدة [التي تمت الموافقة عليها]؟ هل سينجح البيروقراطيون السعوديون الآن ضمن خطة رؤية 2030؟ أو، ربما، قد تكون هناك زاوية مختلفة لإخفاقهم؟

تهدف هذه الورقة إلى مناقشة سبب إخفاق البيروقراطيين السعوديين من وجهة نظر السلوك البيروقراطي؛ وبشكل خاص الحوافز الحالية للقيام بأدوارهم التنفيذية، وذلك بناءً على افتراضٍ بأنهم أفرادٌ “عرفوا خياراتهم، وترقّبوا المخرجات التي يمكن أن تكون نتائجها غير أكيدة، وعظّموا، على نحوٍ منطقي، مصالحهم ورفاهيتهم في مواجهة الحوافز والقيود”، وأنهم كانوا مسؤولين عما حدث في الواقع.[2] وفي الوقت ذاته، سنحاول أن نسلط الضوء على المخرجات عندما تصبح حوافز البيروقراطيين السعوديين مختلطة دون قصد مع حوافز المشرعين ضمن المؤسسة ذاتها، بسبب عدم وجود فصل بين السلطات المختلفة ضمن الهيكل الحكومي.

وعلاوة على مناقشة الآثار المترتبة المختلفة، سيركز التحليل على الخصائص التنظيمية للمؤسسات الحكومية الهامة، وذلك تحديدًا لفهم الآثار المترتبة الناتجة عن عدم الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية (أو وظائفهن) ضمن المؤسسات الحكومية. إضافة لذلك، سيوضح التحليل ما إذا كان الخلط في الأدوار أو المسؤوليات ضمن نموذج حوكمة الرؤية، وذلك لكي نفهم المزيد عن كيفية تأثير توزيع السلطة ضمن نظام المؤسسات الحكومية في البلاد، وكيف تستمر في تشجيع نتائج تطوير استراتيجية المملكة.

وأخيرًا، في محاولةٍ لاستخلاص دروسٍ خاصة من التجارب السابقة في الوقت الذي تشرع السعودية في تنفيذ توجهات اجتماعية واقتصادية رئيسة جديدة، تقدّم الورقة عدة توصيات، بما فيها الفصل بين مراكز السلطتين التشريعية والتنفيذية ضمن الهيكل الحكومي لتجنب العجز المزمن داخل البيروقراطية. ولنكون عمليين، فمن المهم أن نؤكد: “إن التنفيذيين، كما يقال، ينبغي ألا يكونوا كثيري الكلام قليلي الفعل، أو، إن نوع الحديث الذي يجب أن يتفاعل معه التنفيذيون أكثر ميلاً إلى وضع الخطط الاستراتيجية والتخطيط الإداري العام بدلاً من أن يكون مناقشة ومداولة المزايا الأساسية للسياسات الحكومية “.[3]


[1]  استرجعت هذه البيانات من قاعدة بيانات على موقع الهيئة السعودية العامة للإحصاء على شبكة الإنترنت وإعلانات الميزانية المالية السعودية من قبل وزارة المالية في نهاية العام 2015.

[2]  بروس وبنسون، “[محاولة] لفهم السلوك  البيروقراطي: الآثار المترتبة على أدبيات الاختيار العام،” مجلة المالية العامة والاختيار العام 8، العددان رقم 2-3 (1995):ص. 89-117.

[3]   جيرمي والدن، “فصل القوى في الفكر والواقع”، مجلة بوسطن كوليج لو ريفيو [كلية بوسطن للمراجعة القانونية] 54، عدد 2، (مارس/آذار 28،2013، الصفحة 433–68, p. 464.


اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: