الأدوار والمسؤوليات المختلطة للبيروقراطيين السعوديين

مقطع مترجم من الندوة التي أقيمت من قبل مركز المعلومات الخليجي الأوروبي بمناسبة نشر الورقة

مقارنة مع عدد من الدول المتطورة، فإن البيروقراطية السعودية المعاصرة تعتبر فتية نسبياً، فهي لم تظهر إلا في خمسينيات القرن الماضي إبان حكم الملك عبد العزيز آل سعود. ومنذ ذلك الحين، مرت المؤسسات الحكومية في عمليات تصميم وإعادة تصميم، بعضها لم يكن ضروريًا. وكتوضيح للتحديات الحيوية التي واجهتها الحكومة خلال ذلك الوقت، في عام 1952 “كانت هناك ست كيانات مختلفة مسؤولة عن التخطيط الاقتصادي.”[1] وعلى الرغم من التغير الدائم في هيكل حوكمة الحكومة، فإن مجلس الوزراء استمر محتفظًا بالسلطات التشريعية والتنفيذية والعدلية كلها في كيان واحد، مما يعني أن أعمالها ووظائفها تم توزيعها على البيروقراطيين أعضاء المجلس والكيانات العامة التابعة؛ مما أوجد نتائج سلبية على جميع المستويات.

ونتيجة لذلك، أصبح الوزراء السعوديون بيروقراطيين غير عاديين بقدرات ووظائف متعددة، حيث لاحظوا أن أعمالهم تعتبر خليط بين الأعمال التنفيذية والتشريعية. ويمكن تلخيص هذه الأعمال في أربع نواحٍ رئيسية، مما خلق أربعة أدوار لمن يتقلدون المناصب الرسمية وهو ما يجعلها، عملياً، ليست الطريقة الأكثر كفاءة لتوظيف خبراتهم وقدراتهم. ويضطلع أعضاء مجلس الوزراء، بوصفهم تنفيذيين، بمهامٍ إضافية تشمل الوظائف والمهام التشريعية والاستراتيجية، علاوة على التنظيم والمراقبة.

في الجانب التشريعي، يشارك كل وزير (ووزارته) في صنع القانون التشريعي من خلال اقتراح مشروع نظام جديد أو معدّل (المصطلح العربي للقانون التشريعي)، والذي تتم مشاركته لاحقًا مع الوزراء الآخرين للحصول على ملاحظاتهم. وبعدئذٍ، تراجع هيئةُ الخبراءفي مجلس الوزراء القانون المقترح، ثم يستمر في مساره المخصص ضمن عملية اتخاذ القرارات.[2] وبعد الحصول على الموافقة على “النظام” من رئيس مجلس الوزراء، تطوّر الوزارةُ بشكل طبيعي كافةَ القوانين الإدارية المتعلقة بذلك بغية التنفيذ. الوزير الحالي للإسكان؛ ماجد الحقيل، هو أحد الوزراء الذين يناقشون عملهم بشكل علني لعمل أنظمة تشريعية، وهذا ما صرح به أثناء ظهوره المتعدد على وسائل الإعلام، إضافةً إلى ما صرح به خلال جلسة مجلس الشورى الأخيرة حينما أوضح أن الوزارة تمكنت من تمرير العديد من التشريعات الجديدة التي تحكم قطاع الإسكان، مثل جمعية ملاك المنازل، والتي سميت “برنامج مُلّاك “، وغيرها من القوانين المماثلة التي تحكم هذا القطاع، مع بعض النجاح[3].

أما بصفته “صانع الاستراتيجية”، فإن الوزير (ووزارته) مسؤولٌ عن تهيئة الاتجاه الاستراتيجي للقطاع الذي تنظِّمه الوزارة، مما يجعل هذا الأمر في منتهى الوضوح بعد الظهور الإعلامي الذي أوضح الإجراء حيال هذا الموضوع. ويمكننا أن نرى من خلال هذا المثال كيف يقوم كل وزير بشكل مستقل لديه محفظة بيروقراطية، سواء أكانت وزارة أو هيئة، وهو مسؤول عن تحديد استراتيجية طويلة الأجل بما في ذلك الموارد اللازمة لتتمكن من تنفيذها. فعلى سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني من عام 2018، وافق مجلس الوزراء أخيرًا على الاستراتيجية الوطنية للبيئة، والتي تم كتابة مسودتها وتقديمها من قبل وزير البيئة والمياه والزراعة، في مثال لا يقل أهمية ووضوحًا عن الإجراءات المعمول بها.

وإذا تحولنا الآن إلى الدور التنفيذي للوزير، وهو كونه وكيلًا معيَّنًا لتنفيذ مشاريع محددة، فيمكننا أن نقرر بشكل أفضل كيف يمكن لوزير (مع وزارته) أن يكون مسؤولاً عن تنفيذ المشاريع الإقليمية للبلاد، والتشغيلية ومشاريع البنية التحتية، إلى جانب أداء التدخلات الحكومية ضمن نطاق عمل الوزارة. فوزيرا الصحة والتعليم (ووزارتاهما) لديهما أكثر المسؤوليات حساسية وحرجًا، وذلك لأن وزارتيهما ذات الخدمات الحيوية مسؤولتان مسؤولية مباشرة عن بناء مرافق وتشغيلها بأكثر الأشكال كفاءة لتقديم مختلف الخدمات للمواطنين في مختلف أرجاء البلاد. ففي عام 2017 على وجه الخصوص، وصل عدد المستشفيات التي تديرها وزارة الصحة عند الرقم 282 مستشفى، بينما كانت وزارة التعليم تشغل 26200 مدرسة”.[4]

وأخيرًا، بصفته منظم ومراقب، نرى كيف يطور الوزير القوانين الإدارية للقطاع في نطاق وزارته ليقوم بتنفيذها، سواء على مستوى المنطقة أو كافة المناطق مجتمعة. فعلى سبيل المثال، وزارة التجارة تنظِّم التجارة المحلية ضمن قانون الشركات، ووزارة الإسكان تنظِّم الأراضي البيضاء (الفارغة) والملكية بضريبة الأراضي البيضاء. وهذان الأمران يقتضيان بالضرورة اهتمامًا خاصًا من المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى حتى وإن كان بالإمكان تنفيذهما، ربما بشكل أكثر كفاءة بكثير، من طرف كيانات متخصصة، وقد يحرِّرُ هذا المجلس من القيام بالواجبات الدقيقة جداً.


[1]       ستيفن هيرتوغ، “تكوين الدولة السعودية: الدور المتحول للوكالة البشرية في تشكيل الدولة الريعية، “المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط 39، العدد 4 (2007): 63 – 539، [http://www.jstor.org/stable/30069487.]

[2]       برقية الملك فهد إلى نائب رئيس مجلس الوزراء الملك فهد، برقية إلى نائب رئيس الوزراء، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، العدد 7 / ب / 12661، بتاريخ 17/3/1424 هـ (18 مايو 2003)

[3]         عبد الله البرقاوي، “وزير الإسكان يجيب أسئلة على القرار 82″، صحيفة “سبْق” الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية، مايو/أيار 30/2018 -: //sabq.org/P8dv6w

[4]         الكتاب الإحصائي السنوي لعام 20107، 53 (الرياض، الهيئة العامة للإحصاء، 2017) –  https://www.stats.gov.sa/en/932-0.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: